الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Thur Fri Sat Sun
Clear Clear Clear Clear
31°C 30°C 31°C 31°C
27°C 26°C 27°C 27°C
كفى تهويلاً بعد التعديلات:
لا خوف على الليرة اللبنانية
كتبت الهام سعيد فريحه :

حتى إشعار آخر، وربما حتى حدث آخر يغطي عليه، يبقى ملف سلسلة الرتب والرواتب وأكلافه، هو الهاجس الأكبر للسلطة التنفيذية وللمواطنين على حد سواء، تحت عنوان:
القطبة المخفية وكلها تتلخص في كيفية تأمين الإيرادات للسلسلة من دون انهيار الخزينة.
في هذا المجال، ماذا يقول المعنيون في هذا الشأن وفي مقدَّمهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة؟
سلامة يرسم خارطة طريق للمسار النقدي والإقتصادي، فيقول بما يعتبر تنبيهاً:
عيننا على العجز، لأنَّ ما يريح السوق بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب هو تخفيض العجز في الموازنة العامة وعندها أتوقع تحقيق إيجابيات اقتصادية كبيرة في البلد.
سلامة يراهن على أن تُوفَّق الحكومة في توفير تمويل لتنفيذ مشاريع من شأنها أن تؤمن عودة الإرتفاع إلى النمو.
مع ذلك، لا يبدي سلامة مخاوف ولا يعتمد التهويل، بل يقول بنظرة الواثق:
هناك مَن يبشرون بانهيارات اقتصادية، لبنان يملك من المقومات ما يسمح لي بأن أؤكد عدم حصول أي انهيار لا في الليرة ولا في الإقتصاد، فما يُنشر بخلاف ذلك لا يتطابق مع الحقائق والأرقام.






كلام الحاكم يُطمئن ويفتح الباب رحباً أمام الإحتمالات التي يتقدَّم فيها الإيجابي على السلبي، والإحتمالات في هذه الحالة هي التالية، فإما انتظار أن تصبح السلسلة نافذة، بعد إدخال التعديلات عليها فيتم تشذيبها من الشوائب والثغرات، وإما مشاريع قوانين معجلة مكررة ترسل إلى مجلس النواب ويتم من خلالها تعديل ما هو قائم.


بعد الملف الكبير، السلسلة والإيرادات، ما هي الملفات التي تحتاج إلى عناية من أجل المحافظة على الإستقرار؟
بالمختصر المفيد، هناك المعطيات أو ما يُسمّى بلغة العصر الداتا التي يجب تجميعها لمعرفة إلى أين ذاهب البلد!
فهل من أرقام موحدة تم على أساسها تحديد الضرائب الجديدة لتغطية الأكلاف؟
وبصورة أوضح، ما هي عملياً الإصلاحات التي تم التوافق عليها؟
وأكثر من ذلك، ما هي فلسفة المعاشات التقاعدية وأكلافها الهائلة؟
وكم ستزيد سنوياً مع خروج المزيد من الموظفين إلى التقاعد؟
لا أجوبة على كل هذه التساؤلات، لأنَّ ليست هناك معلومات موحدة وموثوقة يمكن الركون إليها.
في هذه الحالة، كيف يمكن الإستمرار من دون معطيات رقمية صحيحة؟


الرئيس سعد الحريري وضع يده على الجرح، فكان له تعليق في الجلسة النيابية العامة اعتبر فيه أنَّه لو كان عندنا فائض مالي وعدم وجود دين عام لكنّا مرَّرنا الكثير من مشاريع القوانين، لكن نحن ليس لدينا أموال لهذه القوانين. أقرَّينا السلسلة وتحمَّلنا أعباءها، واستحدثنا ضرائب لعدم توافر الأموال، لكن لم يعد في إمكاننا تلبية مشاريع جديدة مالياً، فإذا وافقنا على هذه القوانين نؤذي أنفسنا، لأننا غير قادرين على صرف مزيد من المال.
إذاً بين أحقية المطال وضيق الخزينة، تزداد المعادلة صعوبة، والتحدي الأكبر يتمثل في كيفية تفكيك هذه الصعوبة.


 
 
مرة
296
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

أيَّامٌ في سْويسْرَا 5

حَديثُ الجَمَال

ولا اقصد طبعاً جمال الطبيعة الذي شبعت وشبع القراء من الحديث عنه في هذه الرحلة، بل اقصد الجمال الذي هو من لحم ودم وتنانير، الجمال الذي فيه عطر وفيه سحر وفيه دعوة بريئة الى الخطيئة.
وقد توقعت ان يطالعني هذا الجمال خلال رحلتي في المانيا وسويسرا، وان يسبب لخاصرتي الكثير من اللكعات... ولكن الذي حدث، ويا للأسف، ان الخاصرة العزيزة لم تتعرض الا للكعة او لكعتين في المانيا، ومثلهما في سويسرا.
ذلك ان الجمال الساحر المدمر في هذين البلدين ليس من الكثرة بحيث يطالعك في كل مكان. انك تصادف عشرات النساء من ذوات الجمال العادي، قبل ان تصادف امرأة لها جاذبية كجاذبية الأرض وسحر كسحر صوت ام كلثوم.






ولعل السبب في ندرة الجمال الصارخ بالمانيا ان الحروب والكوارث لم تفسح المجال لتربيته والعناية به، اذ لا يخفى ان الجمال نصفه من صنع الله ونصفه الآخر من صنع المرأة نفسها.
ولا تستطيع المرأة ان تصنع جمالها الا في ظل السلام والرخاء والرقي الاجتماعي.
وهذا كله متوفر في سويسرا التي اشتهرت بجمال ارضها وبحيراتها، ولكنها لم تشتهر بجمال نسائها!
لقد بحثت عن الجمال هناك في الفنادق، وفي المطاعم، وفي دور السينما، وفي علب الليل، وفي اماكن البيع والشراء، وفوق الأرصفة أحياناً... فكنت كلما وقعت، واقصد وقع نظري، على امرأة شابة تطلعت الى وجهها وانحدرت من الوجه الى العنق، الى الصدر، الى الخصر، الى سائر الأجزاء مروراً بكل شاردة، ووقوفاً عند كل واردة... ولا انكر اني رأيت جمالاً من النوع الذي يقنع اي واحد من الرجال بأن الحياة ليست كلها عقيدة وجهاداً وصراطاً مستقيماً... بل هي ايضاً نظرة وابتسامة وسلام، ثم كلام ولقاء تختصر فيه السعادة بجرعة ونشوة وغيبوبة!
غير ان هذا النوع من الجمال نادر في سويسرا، واندر منه الفرنك السويسري!
لقد طغى الفرنك هناك على كل شيء، فصار الرجل السويسري يتأثر بسحره اكثر مما يتأثر بسحر زوجته او خطيبته او صديقته الغالية. ومن هنا نشأ اهمال المرأة السويسرية لجمالها ولتربية هذا الجمال واعداده اعداداً فنيا فيه عطر، وفيه سحر، وفيه دعوة بريئة الى الخطيئة!
والاعداد الفني الذي اعني لا يقتصر على ارتداء الفساتين الجميلة ووضع الأحمر على الشفاه. انه اكثر من ذلك واعمق. ان قيام المرأة وقعودها، والطريقة التي تحييك بها، او ترد على تحيتك، او تمتنع عن الرد، خجلاً، او احتجاجاً على سهرك، خارج البيت. ثم الأسلوب الذي تتحدث به، او تحب او تتظاهر بالحب والغيرة، هذا كله وغيره من مقومات الجمال في بنات حواء.
ان المرأة الباريسية مثلاً اتقنت كل شيء حتى المشي. انها تمشي وكأنها تغني. وكأن وقع خطواتها ايقاع موسيقي يشنف الآذان. وقد تستغرب اذا قلت ان هناك من يعرف، من الطريقة التي تمشي بها المرأة ومن وقع خطواتها، ان كانت فرنسية او اميركية، او من داخل النظام الشيوعي!
وحدث مرة ان كنت اتمشى على شاطىء بحيرة جنيف، فمرت بي صبية اجمل من جنيف وبحيرتها، وكانت تسير مسرعة وكأنها على موعد مع عاشق من رجال الأعمال... وقد شاءت المصادفة ان تقف قريباً مني، وتنتظر خلو الطريق من السيارات، لتنتقل من رصيف الى رصيف.
وطال وقوفها وانتظارها بسبب كثرة عدد السيارات المارة، والمسرعة، في الطريق العريض، على شاطىء البحيرة، فأخذت تظهر الضيق والتبرم، واخذت بدوري ادير ظهري الى البحيرة، ووجهي الى الفتنة الواقفة على الرصيف، وبحركة لا شعورية، وجدت نفسي اغادر مكاني، لاشاركها الوقوف والانتظار!
ورأيتها تهم بالمجازفة، ثم تعدل عنها وهي ترى سيارة مقبلة كالسهم من الشمال او اليمين.
وحدث ما تمنيت ان يحدث، فقد نظرت اليّ وقالت بالفرنسية:
- هذا كثير!
قلت: صحيح، ويظهر ان ليس له نهاية... والأفضل ان نفعل شيئاً.
قلت هذا واندفعت الى الطريق واشرت الى سيارة مقبلة بالوقوف. ثم قلت للحسناء:
- تفضلي...
وتفضلت، وهي تشكرني بابتسامة لا تحمل اي معنى من المعاني التي تشجع على اقتفاء الأثر.
وبالرغم من ذلك فقد سرت وراءها على الرصيف وانا انظر الى مشيتها الرشيقة الأنيقة، فلم اشك في انها فرنسية او من اصل فرنسي.
وما هي الا لحظات حتى اختفت في الزحام وبقيت انا امشي بلا هدف وسط زحام كاد يختفي هو في شجرة الجميز.



ووقفت عند مدخل احدى دور السينما، انظر الى الصور فاعرف منها ان الفيلم بوليسي وانا شخصياً احب الأفلام البوليسية ورجال البوليس ولكني لا احب ان تكون لي علاقة بهم، سواء أكنت شاكياً ام مشكواً.
هذا اذا كانوا من الرجال، اما اذا كان البوليس من النساء الجميلات كما هي الحال في بعض البلدان الأوروبية، وخصوصاً في اسكوتلندا وعاصمتها ادنبره، فقد يطيب لاحدنا عندئذ ان يترك مهنته ويحترف اللصوصية.
المهم اني قطعت تذكرة ودخلت الى السينما لمشاهدة الفيلم، فاذا هو فيلم تاريخي لا علاقة له بالبوليس.
وفي الانتركت غادرت الصالة الى البار لاشرب فنجان قهوة وادخن. وكم كانت دهشتي عندما رأيت فتياناً صغاراً يشربون الخمر ويدخنون. كان بعضهم في العاشرة او الثانية عشرة يرتدي البنطلون الطويل ويحاول تقليد الكبار في كل شيء حتى في النظرة الفاجرة الى الفتيات. ان هذه الظاهرة لم اجد مثيلاً لها في اي بلد آخر، وهي ان دلت على شيء فعلى ظلم الوزير كمال جنبلاط لشبان لبنان حين يتهمهم بأنهم أكثر ميوعة وفجوراً من غيرهم.
ولم تكن الفتيات اللواتي شاهدتهن في البار احسن حالاً من الفتيان من ناحية الميوعة وصغر السن.
اما الجمال فكانت نسبته في الشبان أعلى منها في الجنس الآخر، وهكذا الوضع عموماً في اوروبا.
وفجأة دخلت الى البار فتاة الرصيف... وحين رأتني ابتسمت الابتسامة نفسها والتي لا تعني شيئاً.
كانت وحدها ولم يكن في البار مكان تجلس فيه، فتجرأت واخليت لها مكاني على البار، فعادت تبتسم وتقول:
- لقد ضايقتك كثيراً اليوم.
قلت: ليتك تضايقني كل يوم.
قالت: شكراً، هل انت الماني؟
قلت: كلا.
قالت: دانمركي؟
قلت: انا من لبنان، وانت؟
قالت: سويسرية.
قلت: من اصل فرنسي طبعاً.
قالت: وكيف عرفت؟
قلت: من اشياء كثيرة، منها سرعة انفعالك وانت تنتظرين على الرصيف، ومنها مشيتك الأنيقة ووقع خطواتك الغنائية، ومنها هذه الابتسامة الحلوة وهذا اللطف في معاملة غريب الديار.
قالت: يظهر انك شاعر...
قلت: لو كنت شاعراً لما تركت شاطىء البحيرة وتبعتك... بل لبقيت هناك اعيش في الخيال لا في الواقع.
وانتهى الانتركت ولم ينته الحديث... وكان بعد ذلك ان توثقت صداقتنا بسرعة وضللنا الطريق الى الصالة.



وبالرغم من كل شيء فلن ابدل رأيي في المرأة السويسرية بل اصر على القول ان الجمال السويسري، حتى ولو كان من اصل فرنسي، ليس فيه جاذبية كجاذبية الأرض وسحر كسحر صوت ام كلثوم.
انه جمال يبهر النظر ولكنه لا يشجع على ترك شاطىء البحيرة غير مرة واحدة.



31/1/63

عدد اليوم