الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
تطوّع شباب لبنان
ومسؤولية وزارة البيئة
كتبت الهام سعيد فريحه:
لو أن الشباب يتسلمون زمام الأمور في البلد، فبالتأكيد سيكون الوضع أفضل مما هو عليه الآن على كل المستويات:
مَن أوقفَ كل محاولات فرض حلول مكلفة وغير عملية لأزمة النفايات، أثناء مرحلة حكومة الرئيس تمام سلام، غير الشباب الذين نزلوا الى الشارع في وسط بيروت، وأجبروا الحكومة على التراجع عن كل القرارات التي اتخذتها والتي تبيّن انها غير فعّالة ومريبة؟
مَن أوقف قرارات تسفير النفايات الى احدى الدول الافريقية، ثم الى روسيا، ليتبيّن لاحقًا ان هناك عملية تشوبها العيوب وتهدف الى تلزيم النفايات لشركة معينة كانت التسريبات تتحدث عن ان هذه الشركة ستعمد الى رمي النفايات في البحر وان البواخر التي كانت ستحمّلها لن تصل لا الى افريقيا ولا الى روسيا.
كل هذه المواربات مَن أوقفها؟ أليس الشباب اللبنانيون الذين نزلوا الى وسط بيروت واقتحموا وزارة البيئة احتجاجًا على تراخي وتهاون وتساهل وزير البيئة آنذاك محمد المشنوق؟

الشباب اللبنانيون لن يتوانوا اليوم عن معاودة الكرة إذا ما وجدوا ان شيئًا مريبًا يُحضّر في ملف النفايات.
هناك قرار قضائي بوقف توسعة مطمر كوستابرافا بعدما بلغ مداه في الامتلاء، فما هو مصير النفايات الجديدة؟ وهنا لا بد من التذكير ان مطمر كوستابرافا هو مطمر مؤقت وان تجميع النفايات فيه ليس نهائيًا، في انتظار ايجاد الحل النهائي.
هنا يُطرَح السؤال: متى يكون الحل النهائي؟ وفي الأثناء ماذا يكون قد حلّ بمنطقة الكوستابرافا وبمنطقة برج حمود؟
النفايات التي تُجمَع في المنطقتين تصل اليها غير معالَجة، فماذا عن عصارتها النتنة التي تختلط بمياه البحر؟ ماذا عن السباحة على طول الشاطئ اللبناني في هذه الحال؟ وماذا عن الثروة السمكية التي تقتل بذورها هذه النفايات.
معظم المسؤولين تخلّوا عن أدوارهم ومسؤولياتهم، وهنا يأتي دور الشباب:
لا بد من أن ينتظموا للقيام بمبادرات ملحّة لم تعد تنتظر:
المبادرة الى الإنتظام في مجموعات تطوعية تتوزع على طول الشاطئ اللبناني، ولا تكون مهمتها فقط تنظيف الشاطئ بل معاينة مصبّات الأنهر والمجارير، فيتم تصويرها وتعقبها صعودًا وصولاً الى منابع المجارير ليصار الى المعالجة قبل أن تسلك المجاري الأنهر وروافدها.
هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، لا بد من أن تكون كل بلدية، على طول الشاطئ اللبناني، مسؤولة عن الشاطئ في نطاقها البلدي: ما هو عدد البلديات على طول الشاطئ اللبناني؟ إذا توزعت البلديات المسؤولية فبالامكان تخفيف العبء فتسهل عملية تنظيف الشاطئ. أما إذا أحبّت وزارة البيئة أن تشارك بالمسؤولية فلا بأس على الإطلاق، والدعوة مفتوحة الى كل الوزارات المعنية لأن الوضع لم يعد يُحتمل على الإطلاق.
بالمناسبة، هل يتابع المعنيون ما تبثه الشبكات العالمية عن البيئة في لبنان والنفايات وتلوث الشاطئ اللبناني؟
 
 
مرة
111784
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

في خَان اسْطَنْبُول
وقف بائع البطيخ امام دكانه ينادي بزهو وبشيء من التنغيم: عَ السكين يا بطيخ، بقرش الرطل يا بطيخ. رأسك بالف رأس يا بطيخ...!
واتفق مرور عشرة جنود يعربدون من امام الدكان فأنحنى احدهم والتقط بطيخة ثم مضى وهو يقول: بخشيش!..
ووقعت كلمة بخشيش في آذان سائر الجنود وقع السحر، فأندفعوا يغتصبون بطيخات الرجل وهم يرددون: بخشيش، بخشيش! ولو كان بخشيشاً واحداً لحمله رب العيال... ولكن هناك عشرة بخاشيش تذهب بالربح، وبرحابة صدر الحليم، ولذلك وثب صاحب الدكان يريد ارجاع ما يمكن ارجاعه من الحق المغتصب... فما كان من احد الجنود الا ان سدد الى وجهه لكمة شديدة ولسان حاله يقول: ان من تُغتصب بلاده لا يحق له ان يمانع في اغتصاب عدة بطيخات!
واثارت اللكمة غضب البائع فأمسك بخناق الجندي... فأسرع جندي آخر وهوى ببطيخته على رأس المسكين فأنكسرت هي وسلم الرأس العنيد... وكان بعد ذلك ان نشبت بين الجنود واهل السوق معركة تطايرت في خلالها رؤوس واجزاء البطيخ... حتى اوشك الدكان ان يخلو من وارد حيفا والرقة ودير الزور!
وشاء سوء طالعي ان اشاهد الحادث، وان اكتب في جريدة التقدم الحلبية خبراً عنوانه: معركة سلاحها البطيخ... ويظهر ان قيادة الجيش استاءت من نشر الخبر، واعتبرته ماساً بكرامة اقوى جيش في اوروبة وبلاد المشرق، فاوعزت بالتحقيق... وبعد يومين اثنين كنت اسير بحراسة الدرك الفرنسي الى خان اسطنبول!

واحب ان اذكر هنا ان خان اسطنبول هو غير خان انطون بك... او خان فخري بك... انه السجن العسكري الرهيب الذي شاعت الروايات والحكايات عما جرى ويجري في داخله حتى صار ذكر اسمه كافياً لالقاء الذعر والرعب في نفوس الناس!
لقد اقتادني الدرك الفرنسي الى هذا الخان، وبعد ان نفذت الى داخله من ثغرة فتحت في الباب الكبير، وقفت امام ضابط عصبي المزاج، فوجه الي حضرته نظرة ليس فيها شيء من الاحترام وفضيلة الترحيب، ثم سألني: انت فلان؟ قلت: نعم... قال: انت كاتب خبر معركة البطيخ؟ قلت: نعم... قال: اذاً تفضل...
واشار برأسه اشارة تفضلت على اثرها الى احدى غرف السجن، وهي عبارة عن زنزانة ضيقة وقف على حراستها عبد اسود شاكي السلاح، فكنت اذا تحركت زمجر... او تنحنحت كشر... او قلت: آه... صاح: جاه... وجاه، معناها على ما يظهر:
اخرس يا نذل... يا دون... يا ابيض النحس!
ومضت ساعات وانا على هذه الحال، لا طعام ولا ماء ولا وجه لابنة حواء... وانا شاب - والحديث طبعاً عن الماضي - قد أصبر على الحرمان من نعمة الحرية، من لقمة العيش، من جرعة الماء، ولكني غير قادر، وغير مستطيع الصبر على حرماني من رؤية وجه جميل، او خد اسيل، او جسم نحيل... ولذلك وثبت وثبة هائلة، وصحت صيحة داوية عندما لاح لي من خلال قضبان الباب طرف تنورة... ولما التفتت صاحبتها - وهي سيدة فرنسية وزوجة الضابط الذي أمر بسجني - ابديت اشارة معناها: انا في عرضك!...
وبعد قليل استدعاني الضابط وبدأ يحقق معي بحضور زوجته الحسناء، فأدركت حالاً ان مصيري متوقف على ما قد ابعثه في صدرها من شعور العطف او الكره... فقلت جواباً على سؤال الزوج المحقق: انا لم اقصد اهانة الجيش فيما كتبته عن معركة البطيخ... انما قصدت افهام الناس ان البطيخ الذي استعمل في المعركة كان من النوع الرديء، ولو لم يكن كذلك لأكله الجنود بدلاً من ان يرشقوا به رؤوس الناس!...
فضحك الضابط، وزوجة الضابط، فأستأنفت الكلام قائلاً: واحب ان الفت نظر حضرة الليوتنان الى ان الجنود الذين اغتصبوا البطيخات ليسوا فرنسيين لحماً ودماً وجنسية... انما هم من جنود المغرب، والدليل ان احدهم عندما لم يجد رأس بطيخ يضرب به فتى مسكيناً ضربه برأسه... وصناعة النطح هذه يتقنها ابناء المغرب دون سواهم... ومع ذلك فأنا افضل الف مرة ان يحرس سجني جندي ينطح... على ان يحرسني هذا السنغالي العملاق الذي اخشى ان يجوع فيأكلني او يأكل جناب الليوتنان!
واغرق الضابط بالضحك فحمدت الله... وفجأة ابدل بالضحك العبوس فاستعذت بالشيطان الرجيم... ولما حولت نظري الى السيدة الحسناء رأيتها تغمزني بطرف عينها... ولم افهم المقصود من هذه الغمزة الا عندما سمعتها تقول لزوجها: لا تقسُ عليه... فقال: ولكنه أهان الجيش...
قال هذا وأمر باعادتي الى السجن... غير ان اقامتي لم تدم طويلاً، فقد اطلق سراحي بعد نصف ساعة، وكان الفضل بلا ريب للسيدة الكريمة، او قل للشباب الريان!...
وقبل ان اغادر السجن الرهيب قال لي الضابط: اذا اردت ان تكتب بعد الآن شيئاً عن الجيش تحسس رأسك اولاً!



هذه حادثة وقعت ايام كان الانتداب مسيطراً، وشبح الاستعمار جاثماً فوق الصدور، بل ايام كان الناس في سورية يعتقدون ان جيش فرنسا باق في بلادهم الى الابد.
ولكن معجزات ربك فوق كل تصور وحسبان. وما كان بالامس حلماً صار اليوم حقيقة واقعة. وها هم السوريون يجنون ثمار جهادهم، ويحتفلون بجلاء آخر جندي اجنبي عن بلادهم... فلهم التهاني، ولباعة البطيخ صفو الخواطر!!

18/4/46
عدد اليوم