الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Tue Wed Thur Fri
Sunny Sunny Sunny Sunny
22°C 23°C 24°C 24°C
18°C 18°C 20°C 18°C
مختلفون على كل شيء...
ومتّفقون على عصام فارس رجل التاريخ
كتبت الهام سعيد فريحه :

عندما غادر دولة الرئيس عصام فارس وطنه قبل 12 عاماً، كان المشهد اللبناني عاصفاً بالصراعات والمشاحنات. واليوم، يجد المشهد إياه. ولكن، من المفارقات أن السياسيين الغارقين في خلافاتهم يتفقون للمرّة الأولى على أن دولة الرئيس عصام فارس هو رجل كبير من لبنان.
دولته لبّى كل الدعوات، معمِّماً أجواء الأمل والتفاؤل. عند رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قال: لبنان هو البلد الأكثر أماناً والعالم يحسدنا عليه. وخلال زيارته الرئيسين بري والحريري دعا إلى التوافق وجعل الاعتبار الوطني أسمى الاعتبارات. وفي جامعة البلمند، التي رعى أمس تخريج طلابها، راهن على الشباب أمل المستقبل.

عصام فارس رجل في تاريخ وتاريخ في رجل. فهو يجمع فكراً عميقاً وقلباً يتَّسع للجميع، في معادلة نادرة. وهو استطاع أن يحصد مقداراً غير مسبوق من الاحترام الشامل وحبِّ اللبنانيين جميعاً، بمختلف عائلاتهم وانتماءاتهم، بسبب عطاءاته وانجازاته ومواقفه الوطنية اللامحدودة.
منها: عطاؤه لوطن يحبّه ويخلص له ولأبنائه، وعطاؤه لبلدته مسقط رأسه بينو التي يبقى وفياً لها ولأهلها، وعطاؤه لطائفته الأورثوذكسية وأبنائها ومؤسساتها الروحية والتربوية والاستشفائية، هو الأورثوذكسي الصافي، الوطني المنفتح، الذي لا يبخل بعطائه للناس جميعاً، أهله في الوطنية وشركائه في محبة الأرض والإنسان فيها.
لقد حصد عصام فارس من المحافل الدولية، الكثير من الأوسمة والألقاب والمراتب السامية. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، وسام من البابا فرنسيس هو وسام القديس غريغوريوس من رتبة كومندور، ووسام من البابا بنديكتوس، ودكتوراه شرف من روسيا ومن الولايات المتحدة، وأوسمة رفيعة متنوعة فرنسية وأميركية وروسية ويونانية وقبرصية وبلغارية. لكن دولة الرئيس فارس يبقى فخوراً بالتكريم الوطني الشامل في وطنه، ولدى أهل بيته اللبناني الصغير بالمساحة، الكبير بشموخ رجالٍ من أمثال عصام فارس.
والذين يعرفون دولة الرئيس فارس عن قرب أو يعيشون معه يدركون مواصفاته الرفيعة وإخلاصه تجاه الناس، كما تجاه وطنه وطائفته، هو الوطني الصميم والعربي المسيحي المشرقي والأورثوذكسي المستقيم الرأي.




كيف يمكن تعداد العطاءات الوطنية والإنجازات التي قدّمها هذا الرجل الكبير من خلال المؤسسات الدينامية التي يرعاها، ومركز عصام فارس للدراسات والأبحاث؟
تكفي عشرات المحاضرات التي نظمها المركز، ومنها ندوة في الجامعة الأميركية عن الثورات العربية، وحلقة نقاش عن اللاجئين السوريين، وندوة عن الواقع العربي وأخرى عن الانتفاضة العربية، وندوات تتناول سبل التصدي لأزمات التلوث البيئي، وسوى ذلك الكثير من الملفات والقضايا القيّمة والرؤيوية. وأما مبنى معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية فهو أكثر المباني الجامعية تميّزاً في العالم، وفاز بجائزة الآغا خان العالمية للعمارة في العام 2016. وهذا المبنى أنجزته المهندسة المعمارية العراقية العالمية زهى حديد، التي كان لدولة الرئيس الفضل في تسليط الضوء عليها وعلى إنجازاتها المبدعة عالمياً.

وأما بلدته بينو، التي يعشق هواءها ومياهها، فلم يتوانَ لحظة عن تقديم أي رؤية مستقبلية لها، سواء بشق الطرق وبناء البنى التحتية والمؤسسات التي تساهم في تطويرها. وقد أنشأ معامل الزيت والأجبان من إنتاج عكار لتشغيل أبنائها ودعم تشبث أهلها بأرضهم. وهو يفتتح اليوم في بينو كلية عصام فارس للتكنولوجيا، التابعة لجامعة البلمند، بعدما دشّن في المقرّ الرئيسي للجامعة في الكورة أكبر مكتبة في الشرق الأوسط وجناح نور عصام فارس.
ومن بينو إلى امتداد عكار بسهولها وجبالها، وعلى مساحة الوطن، عطاء عصام فارس يتفوَّق، وفكره يضيء الأمل: طرقٌ ومكتبات ومؤسسات استشفائية وبنى تحتية لم تصل إليها الدولة ولم يتذكرها أحد سواه. وأقل ما يمكن لدولتنا اللبنانية أن تفعله لرجل من تاريخ لبنان هو أن تردّ له الجميل وتحفظ له الفضل الذي يستحقّه.

في مجلس وزرائنا اليوم متاهةٌ لا حدود لها في الملفات والأزمات والفضائح: كهرباء البواخر أم كهرباء المعامل؟ قانون الانتخابات النسبي أم الأكثري أم التمديد أم القانون الساري؟ وفي الاتصالات حَدِّث ولا حَرج عن أرقام ضائعة، وفي سواها الكثير الكثير...
نحن المواطنين الصابرين نريد من المسؤولين أن يفعلوا شيئاً يتفقون عليه، وهو تكريس الطاقة الوطنية الكبيرة التي يمثلها دولة الرئيس فارس، بامتدادها الوطني والعالمي الراقي.
ليبتدعْ مجلس الوزراء أفضل تكريس وطني لدولة الرئيس عصام فارس. فالأوسمة لا تكفي لتقدير عطاءاته، وإطلاق اسمه على الساحات أو الشوارع قليل عليه، هو الذي زرع عطاءاته في كل مكان ومؤسسة على امتداد الوطن. وهو الذي انجز الكثير الكثير من مشاريع القوانين وحل ازمات وملفات معقدة عندما ترأس على مدى سنوات لجانا وزارية فكان الضمير الحي للحكومات المتعاقبة.
نحن المواطنين الصابرين على كل شيء في لبنان نسينا أنفسنا وسلّمنا أمرنا. ونطالب السياسيين بشغف أن يعيدوا هذا الوطني الكبير دولة الرئيس عصام فارس إلى رحاب الوطن، بعد أسابيع أو شهر أو شهرين. فلبنان في أمسّ الحاجة إلى رجال حكماء وأخلص المخلصين.
لذلك نقول لدولة الرئيس عصام فارس، فارس الوطنية والعطاء: أخذ الله بيدك، ووفّقك بكل ما تقوم به، ولك منّا شعب لبنان الأبيّ الوفيّ المقهور في وطنه عميق المحبة والتقدير لفكرك البنّاء، ومعك محبة اللبنانيين الأوفياء. وليحفظك الربّ ويسدّد خطاك.

 
 
مرة
80618
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه
1956

حجَارَةٌ في الطّّريق

كانت الابنة الوحيدة بين خمسة اشقاء اعقلهم دخل السجن مرتين: الاولى بتهمة الاعتداء على حارس المنطقة، والثانية بتهمة شج رأس ابن الجيران لانه تجرأ وقال لاخته: صباح الخير!
وكنت انا واحداً من ابناء الجيران الذين يتمنون ان يقولوا لتلك الاخت الحلوة الف صباح الخير... ولكن خوفي على رأسي جعلني أتجنب هذه المغامرة على الرغم مما كان يبدو لي من لطف الفتاة ومن حسن استعدادها لان ترد التحية باحسن منها!
وكان والدها ووالد الاشبال الخمسة من الرجال المشهود لهم بالجهل والامية وكبر الشاربين، فنشأ اولاده على غراره، اي جهلة اميين يستهويهم حمل العصي وضرب السكاكين. وكثيراً ما حاولت والدتهم، وهي سيدة فاضلة، اقناع زوجها بضرورة تعليمهم، فكان يمانع بقوله: علمي البنت... واتركي الصبيان يطلعوا رجال!
وطلعوا في النهاية رجال ولكن من الطراز الذي يروع الامن ويلقي الذعر في النفوس!
وهكذا نشأت الفتاة الحلوة المتعلمة وسط اسرة اشبه بعصابة تتقن صناعة الاجرام وتحمل راية الدفاع عن العرض ضد كل تحية بريئة عابرة!
وكرت الاعوام وتفتحت الزهرة بين الاشواك...
ولم يجرؤ احد على لمسها او تنشق عبيرها، لا بالحلال ولا بالحرام!
انها تنتمي الى عصابة، ومن يرضى ان يصاهر العصابات؟






وتعيش في حماية العصي والخناجر، واين هو الشاب الشجاع الذي يغامر بحياته؟
وكرت الاعوام من جديد، وبدأت الزهرة تخاف على نفسها من الذبول!
وهذا النوع من الخوف هو الذي يطرد من نفس المرأة كل خوف آخر!
وهو الذي يجعلها تتحدى العصي والخناجر وتهزأ بكبر الشوارب!



وذات مساء، وانا في طريقي الى البيت...
وكنت احمل في جيبي احد اعداد مجلة النفائس التي كان ينشر فيها الاديب المرحوم طانيوس عبده قصة روكامبول متسلسلة.
وقبل وصولي الى البيت تذكرت ان اخي الكبير هناك، وان اكره شيء عنده هو ان يراني منصرفاً الى اضاعة وقتي بالقراءة!
وكان لا بد ان اقرأ، ان لم يكن في البيت، ففي الشارع، وعلى ضوء مصباح اللوكس!
واخرجت المجلة من جيبي وبدأت اقرأ، وكانت الساعة العاشرة ليلاً وكل شيء هادئاً في الطريق العام.
وفجأة فتحت احدى النوافذ القريبة واطلت الاخت... اخت الرجال، حملة العصي والخناجر!
وهنا فقط تنبهت الى اني اقف في المكان الخطر، فطويت المجلة وهممت بالابتعاد.. غير ان الفتاة استوقفتني بقولها:
- بونسوار..
قلت: بونسوار...
قالت: مش فلان، او انا غلطانة؟
قلت: لا مش غلطانة...
- كيفك؟
- عال...
- شو عم تقرأ؟
- روكامبول....
- وليش في الطريق؟
واردت ان اقول لها ان اخي من فصيلة والدها لا يحب القراءة ولا الذين يقرأون، ولكن الخوف عقد لساني، فعدت اهم بالانصراف، ولكن الزهرة الخائفة من الذبول شجعتني على البقاء والاستمرار في الحديث همساً بالرغم من كل الاخطار والمحاذير!
وطال الحديث وتجلت عناية الله...
ولما غادرت المكان كنت قد صممت على قراءة جميع قصص روكامبول ليلاً، وقرب نافذة الحبيبة، وليكن ما يكون!
وكنا كلما سمعنا وقع اقدام ترتد هي عن النافذة واتظاهر انا بالانهماك بالمطالعة... الى ان فاجأني احد اشقائها ذات ليلة متلبساً بجريمة الوقوف قرب النافذة...
وسألني: شو عم تعمل هون يا صرماية؟
قلت: ليش عم بتقول صرماية...
قال: صرمايتان وثلاث صرامي كمان...
وهجم يريد ان يفعل شيئاً فقلت:
- طول بالك... واعرف السبب اولا.
قال: شو السبب؟
قلت: اخي يمنعني من القراءة في البيت فاضطر الى القراءة في الشارع.
فرفع يده وصاح مهدداً:
- طيب وما شفت غير هالشارع يا صرماية؟
وبلعتها هذه المرة، اقصد بلعت الشتيمة، وانصرفت اتحسس رأسي واحمد الله على النجاة!
وقررت بعد هذا الحادث ان اتابع القراءة في كل مكان الا قرب النافذة وبين الصرامي!
ولكن الفتاة المحرومة، الخائفة من الذبول، قررت شيئاً آخر!
وكانت والدتها، السيدة الفاضلة، رسولتها الى احدى نسيباتي...
وقالت النسيبة: بدنا نزوجك...
قلت: بعد بكير!
فصاحت: ليش كبير...
الذين في عمرك صار عندهم اولاد شباب!
قلت: ومين بدك اتزوج؟
قالت: فلانة...
قلت: ما في مانع!
وذهبت نسيبتي تطلب يد الفتاة، فقالت الوالدة:
- لا بأس...
وقال الوالد: شو هالقلعوط حتى ازوجه بنتي!
وهكذا فشل المشروع وقررت ان اصرف النظر.
ولكن الفتاة قررت شيئاً آخر!
وعادت نسيبتي تقول: اخطفها...
قلت: مستحيل!
قالت: لا تكن جباناً.
قلت: وانت لا تكوني ظالمة فتدفعينني الى المغامرة بحياتي وحياة الفتاة.
فقالت: ان الخطيفة ستكون بموافقة الوالدة، وقد وعدت بان تدبر الامر فيما بعد.
قالت هذا ومدت يدها الى صدرها فاخرجت صرة صغيرة ودفعتها اليّ قائلة:
- خذ.... هذه خمس عشرة ليرة ذهبية من امرأة عمك.
قلت: ولكن لماذا؟
- لتدفع اجرة السيارة واتعاب الكاهن، وستعطيك بعد الزواج مائتي رنانة...
قلت: لا... لا... ان اشقاء الفتاة مخيفون وكل واحد منهم يأكل رأس الحية!
قالت: حط في الخرج... ان والدتهم معك والفتاة تحبك وعيب عليك تجبن!
وما زالت بي حتى اقنعتني...
وفي احدى الليالي المظلمة انسلت الفتاة من منزلها، ثم ركبنا سيارة اقلتنا الى احدى قزى الجبل.
وكان كل شيء معدا لاتمام المشروع: الكاهن والشهود وبيت الزوجية الموقت...
واثناء الطريق لاحظت ان الفتاة تعيش في حلم، وقد التصقت بي كأنها تريد الا تفلت مني ولا افلت منها.
وضممتها الى صدري وانا اتظاهر بالشجاعة والطمأنينة والقدرة على حمايتها من كل عدوان!
وقبل ان نصل الى القرية همست في اذني:
- هل تحبني؟
قلت: الا تكفي هذه المغامرة دليلاً على حبي لك؟
قالت: أليس من دليل آخر؟
قلت: بلى...
واطبقت على الزهرة اتنشق عبيرها البكر بقوة ونهم، وفجأة صرخ السائق:
- حجارة في الطريق...
وتلاشت الزهرة وتلاشيت!...
وكان السائق قد اوقف السيارة وترك النور مسلطاً على الحجارة التي وضعت في الطريق وكأنها وضعت على صدري فقطعت انفاسي واغرقتني في لجة من الذعر!
وازدادت الفتاة التصاقاً بي وازددت التصاقاً بجانب السيارة!
اما السائق: وكان يعرف اني اخطف فتاة من نسيباتي، فقد عقد الخوف لسانه وشل يديه وساقيه، فلبث مكانه كأنه تمثال من حجر!
ولم يكن وحده التمثال، بل كنت انا ايضاً تمثالاً من الطين المبلل!!
وانتظرنا، انا والفتاة، ان تبرز من وراء الاحجار، او من جانبي الطريق، رؤوس الاشقاء الخمسة ويبرز معها شبح الموت!
انتظرنا ثانية وثانيتين وبضع ثوان... ولكن المكان ظل خالياً الا من الاحجار ومن السيارة التي تضم تماثيل بللها العرق!
والتفت السائق يسألني: شو القصة؟
قلت: ارجع...
ورجع بسرعة، فقلت للفتاة:
- وطي راسك...
وفعلت المسكينة فخبأت رأسها في حضني.
وخبأت انا رأسي وراء ظهرها!
وتم الابتعاد عن مكان الحجارة دون ان ينهال علينا الرصاص كما كنت اتوقع!
وعاد السائق يسأل ونحن في طريق العودة:
- شو القصة؟
قلت: لعلهم قطاع طرق!
قال: ولكن لم يظهر احد...
قلت: هذا ما يزيدني حيرة.
قال: على كل حال... الحمد لله!
قلت: الف حمد له.



وخطر لي وللفتاة كل شيء الا ان نستأنف المغامرة في تلك الليلة.
وكان كل هم المسكينة ان تنسل عائدة الى البيت بدون ان يكون والدها واشقاؤها قد اكتشفوا امر غيابها.
وبدون ان تكون هناك اية علاقة بين هذا الغياب ووضع الحجارة في الطريق.
لقد اعادتها الصدمة او المفاجأة غير المنتظرة الى واقع ارادت ان تهرب منه وتتمرد عليه.
ولما اتضح لها ان والدها واشقاؤها يجهلون ما حدث زال قلقها ولكن... سرعان ما وجدت نفسها تتوق الى الهرب والتمرد من جديد!
وكان يمكن ان يتم هذا لو عرفت هي او عرفت انا سر وضع الحجارة في الطريق!
ولذلك تساءلت وما زلت اتساءل حتى الان عن اليد التي وضعت الحجارة في الطريق!
هل هي يد انسان ام يد القدر؟!

19/1/56




عدد اليوم