الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Thur Fri Sat Sun
Rainy Rainy Partly Sunny Partly Sunny
17°C 16°C 17°C 19°C
13°C 13°C 12°C 13°C
يحاول اللبنانيون أنْ يكونوا متفائلين
لكن الإيجابية لها مستلزماتُها
كتبت الهام سعيد فريحه :

على رغم التوترات التي تشوب بعض الملفات، فإنَّ بالإمكان تسجيل أنَّ النصف الملآن من الكأس هو الظاهر للعيان، بدليل أنَّ الروزنامة السياسية والمالية هي في وضعٍ يدعو إلى التفاؤل.
سياسياً وديمقراطياً، لم يعد الحديثُ حديث تمديد، بل حديث انتخابات، وهذا تطور حيوي في حد ذاته... في أيار المقبل لن يكون هناك تمديدٌ للمجلس النيابي الحالي الذي صار عمره ثمانية أعوام، بل سيكون هناك مجلسٌ نيابي جديد وفق قانون انتخابي جديد لا مجال فيه للتزوير، بل هناك مراقبة شديدة ليس من الداخل فحسب بل من دول ومنظمات غربية تراقب ما إذا كان لبنان سيدخل فعلاً عصر الديمقراطية الحقيقية، أو سيبقى من الدول المتخلِّفة ديمقراطياً.


مالياً، ولَّت الأيام التي كان الصرف فيها يتم على القاعدة الإثنتي عشرية، صار هناك صرفٌ بموجب الموازنات. صدرت موازنة العام 2017، وموازنة 2018 تنتظر فتح دورة استثنائية لمجلس النواب لإقرارها قبل بلوغ الدورة العادية لمجلس النواب في منتصف آذار المقبل.
إيجابيةٌ نقدية ثانية تمثلت في الهندسات المالية التي قام بها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والتي ظهرت إيجابياتها أثناء الأزمة التي مرَّ بها لبنان في شهر تشرين الثاني الماضي، والتي أدت إلى خروج نحو ثلاثة مليارات دولار من لبنان، آنذاك، لولا الهندسة المالية التي سبق للحاكم أن قام بها لكان لبنان وقع في مصاعب مصرفية كان في غنى عنها، لكنها كانت ستكلفه الكثير، إلا أنَّ القطوع مر وعاد لبنان منيعاً مالياً.


لكن، هل هذا كله يكفي؟




بالتأكيد لا، فأمام لبنان سلسلة من القطوعات، وما لم يُحسِن المسؤولون التعاطي معها بجدية وشفافية، فإن البلد سيكون مجدداً أمام المأزق.
على سبيل المثال لا الحصر، إنَّ موضوع الكهرباء بات يحتاج إلى حلٍ أياً تكن المعوقات، فليس من المعقول أنْ يعيش اللبنانيون رهائن لعشرات آلاف المولدات الخاصة، مع ما يعني ذلك من تلوثٍ يضرب الأحياء، لأنه بات في كل حي مولد ينفخ سمومَه في صدور اللبنانيين.


ليس معقولاً أنْ تبقى قضية النفايات من دون معالجة، للسنة الثالثة على التوالي، ما من بلد في العالم يتعايش مع النفايات، كما يتعايش هذا البلد معها.
نحاولُ في هذا المجال أنْ نكون إيجابيين، ولكن كيف؟
ووفق أي معيار؟
الإيجابيةُ يجب أنْ تأتي من إدارات الدولة ومن السلطة التنفيذية، ثم تنعكس على المواطنين، وما لم تَحدث الإيجابية من عند الدولة فإنّه من العبث أنْ تحدث من قبل الناس.
بهذا المعنى فإنَّ كرة الإيجابية هي في ملعب الدولة وليس في ملعب المواطنين.


 
 
مرة
75943
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

حِوَارٌ بَينَ جيلَين 3


- لنستأنف حوارنا الذي انقطع عند شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة، فأقول ان كل ما نخشاه هو ان يصبح هذا الشعار وسيلة لخنق اي صوت، حتى صوت الحق...
ان ما يعتبر حقاً في نظرك ونظر شباب جيلك قد لا يعتبر كذلك في نظر الآخرين... واذكّرك في هذه المناسبة بقول باسكال: ما هو حق وراء جبال البيرينيه هو باطل امام هذه الجبال. ومع ذلك فان الخلاف ليس على الحق ومكان وجوده، انما هو على الأسلوب الذي يعبّر به شبابنا احياناً عن حقهم.
- واي اسلوب تقترح للتعبير؟
اسلوب الحوار مثلاً.
- ومتى كانت الثورات، وخصوصاً تلك التي تضج بأماني الشباب وحماستهم ودوي اصواتهم واندفاع مواكبهم، تعتمد الحوار وسيلة للتعبير؟ ان الثورة نفسها هي الصوت المعبّر وهي العاصفة الهادرة التي لا ينفع معها حوار ولا محاورون... ان الذي ينفع هو تدارك الأسباب منذ البداية، والا فلا بد، بعد الانفجار، من احترام ارادة الثائرين حتى ولو لم يكونوا على حق في نظر الغير.







ولكن هذا لم يحدث في فرنسا، وهي أقرب مثل، وثورة شبابها اسطع دليل على ان ارادة الشعب تأتي في الدرجة الأولى. فقد رفض الرئيس ديغول، وهو الثائر القديم والمعلم في هذا المجال، ان يرضخ للأمر الواقع، فاصرّ على ان يكون الشعب، لا الشباب وحده، صاحب الكلمة في تحديد مكان الحق. هل هو وراء جبال البيرينيه ام امامها. وكانت النتيجة انه حيث يقف ديغول.
- لو لم يكن ديغول على رأس الحكم لربما اختلفت النتيجة... حتى ولو لم تختلف لما اعتبر هذا كافياً للحكم على الشباب وثورته بالانحراف عن ارادة الشعب ان الشباب في كل شعب من الشعوب هو الطليعة. والطليعة تعني الانطلاق واستباق الزمن، لا الانحراف.
ولكنها قد تعني، الى جانب ذلك التسرع وعدم اتزان الخطى... ومن هنا كان لا بد لجيل الشباب من الاستعانة بجيل التجربة حتى تجيء خطاه اكثر رسوخاً واقل عثاراً.
- رجعنا الى الوصاية، وهذا ما نرفضه من جيلكم، سواء فرضته القوانين او التقاليد او السياسات المحلية. ان وعينا وافكارنا وفلسفة كبار الثوار في عصرنا، وهي وحدها الوصي علينا، وهي الشعاع الذي ينير طريقنا ويسدد خطانا. اما افكاركم وتقاليدكم واساليبكم في المجاملة والنفاق الاجتماعي، فقد قلت واكرر انها لا تنسجم مع روح عصرنا ولا مع ثورة جيلنا.
حتى اتجنب التكرار في الرد على هذا الكلام، اقول ان ثورة جيلكم ليست بداية الثورات ولا نهايتها. انها في كل جيل من الأجيال السابقة واللاحقة، وفي طبيعة الانسان نفسه. تولد معه وتنمو بنموه ونمو مداركه وامانيه، فاذا هو في سن المراهقة حائر، وفي سن الشباب ثائر، وفي سننا نحن ابن تجربة تفرض عليه ان يكون مسؤولاً ورائد حقيقة.
ومع احترامي الاكيد لوعي جيلكم وفلسفة كبار الثوار في عصركم، اقول ان لا شيء يسدد الخطى ويجنّب العثار مثل التجربة. فهي الطريق الى الحقيقة، كما هي الطريق الى القمة، بدليل ان غيفارا لم يرتجل نفسه، ولم يسبق تجربته، بل عاشها بكل مراحلها وظروفها وألوانها المختلفة، قبل ان يصبح رمزاً للثورة ومثلاً للثائرين من جيل الشباب.
- نحن ماذا نفعل غير ذلك؟ اننا نعيش تجربتنا، او بالأصح نريد ان نعيشها كما عاشها غيفارا، وكما علّمنا ان نعيشها... ولكنكم تنكرون علينا هذا الحق، او ما نعتقد انه حق، ولا تتورعون احياناً عن استعمال القسوة ضدنا اذا ما خطر لنا ان نعبّر عن حقنا بتظاهرة او اضراب...
ليت الأمر يقتصر على التظاهر والاضراب ولا يتعداه الى الحرق والقتل والتدمير، فنلتقي بذلك، عن غير قصد، مع عدونا الذي يعمل فينا بدوره قتلاً وحرقاً وتدميراً.
ان ثورة الشباب التي تعمّ العالم لا ينبغي ان تكون سبباً ومبرراً لاقدام شبابنا على اية حركة او انتفاضة يصفق لها ابليس ومن ورائه العدو المتربص بنا جميعاً.
لقد اوقف شباب المكسيك التظاهرات والاضرابات والاصطدامات مع الحاكمين بسبب انعقاد الدورة الأولمبية في عاصمة بلادهم. فلماذا لا يوحي لنا الخطر الاسرائيلي بالشعور نفسه والتضحية عنها؟
بل لماذا لا نعتبر بما حدث في فرنسا، وقد نتج عن استعمال العنف اسلوباً لاثبات الوجود قبل اثبات الحق، ما الحق بالاقتصاد الفرنسي افدح الضرر وحمل الرئيس ديغول على وصف تلك الحوادث بأنها لا اخلاقية؟
لماذا لا نعتبر ونتّعظ ونتّقي الله في اقتصادنا، وهو يترنح اليوم تحت وطأة النكسة، وفي مصيرنا ونحن نواجه العدوان وندعو الى الصمود اتقاء لخطر الانهيار والضياع؟
- هب اننا اخطأنا في اختيار الظروف واسلوب التعبير، فهل من الحق والحكمة ونضج التجربة ان يصحح خطأنا بالخطأ، اي باستعمال العنف وما هو اشد ايلاماً من العنف ضدنا؟
اذا سلمنا بأن الخطأ صُحح بالخطأ، فينبغي الاعتراف بان هذا التصحيح كان لمصلحة الوطن، كما كان وليد ظرف قاهر. اي ان العنف استعمل لوقف العنف ولمنع اتساع نطاقه وتفاقم خطره. وفي هذه الحالة يمكن القول ان الخطأ الكبير صُحح بخطأ صغير، فكان مثل المصححين هنا كمثل من يقسو على ولده وفلذة كبده ليحول بينه وبين اقدامه على ارتكاب جريمة في لحظة من لحظات الانفعال وثورة الأعصاب.
وشيء آخر لا بد من الاشارة اليه في هذه المناسبة. هو ان المرحلة المصيرية التي نجتازها قد تسمح لنا بكل مظهر من مظاهر الانفعال والتعبير عن الرأي، ما عدا التظاهر حتى ولو اتسم في بدايته بطابع اللاعنف. ذلك اننا نعرف كيف تبدأ التظاهرات، لكنا لا نعرف ولا يمكن ان نعرف كيف تنتهي مهما بالغنا في الحرص والحذر.
ان شخصاً واحداً يستطيع، مأجوراً كان او غير مأجور ، ان يحرك العواطف ويلهب الشعور ويحول التظاهرة الهادئة الى عاصفة هادرة بكلمة او بهتاف او باطلاق اشاعة كاذبة تكون بمثابة الشرارة التي تفجّر برميل البارود.
ومن تجاربي العديدة في هذا المجال ما حدث في ساحة الشهداء في بيروت سنة 1947، لقد كانت الجموع محتشدة هناك للتعبير عن تأييدها لقضية فلسطين، فاذا بطفل يقذف عفواً من فندق سافوي بزجاجة فارغة خارج غرفته الكائنة في الدور الأخير، فتسقط على رأس احد المحتشدين في الساحة، ويظن في سقوطها الظنون، فتشتعل النار، ويهاجم آلاف المتظاهرين الفندق، ويشتبك آلاف آخرون في معارك دامية، ويتساقط القتلى والجرحى، ويكون السبب سقوط زجاجة فارغة من يد طفل.
هذا مثل واحد من عشرات الأمثلة التي تجعلنا نتجنب ما امكن، القيام بأية تظاهرة في هذا الظرف الدقيق خشية سقوط زجاجة فارغة من يد طفل، او يد عميل!
- ومقابل الهدوء المطلوب من جيلنا، ماذا يطلب من جيلكم؟ ستقول لي ان المطلوب من الجيلين هو التضحية من اجل تحرير الأرض المحتلة وتحقيق النصر. ولكن متى ترددنا او قصّرنا في هذا المضمار؟ بل من هم الذين يحملون السلاح ويضحون فعلاً، انتم ام نحن؟
صحيح انكم تكتبون وتخطبون وتبثون فينا روح الحماسة، وصحيح انكم تتولون المناصب والقيادات وتديرون المعركة من وراء مكاتبكم باخلاص وتجرد وعقول لا ينقصها النضج، وان لم يحالفها الحظ احياناً، ولكن الصحيح ايضاً اننا نحن جنود المعركة، ونحن وقودها ونارها اللاهبة. فالمقاتلون منا والصامدون في خط النار منا. والفدائيون الأبطال والشهداء الأبرار من جيلنا، من زهرات شبابنا. ان هذا ولا ريب هو واجبنا وقدرنا ورسالتنا في الحياة. ولو شئتم انتم جيل القيادات والمسؤوليات ان تقاتلوا بآخر شاب في الأمة العربية، لقلنا لكم: ابشروا، ان دماءنا وارواحنا فدى الوطن وفداكم انتم.
واعود فأسأل: مقابل ذلك ما هو المطلوب منكم نحونا؟ هل تكتفون بالطبطبة على اكتافنا وبالقول لنا: بارك الله فيكم، فانتم امل الحاضر والمستقبل... لكن عليكم ان تلزموا الهدوء في الداخل فلا تتظاهروا ولا تتحركوا ولا تتوانوا عن ارجاء مطالبكم الى ما بعد ازالة آثار العدوان؟
طبعاً انتم لا تمنّون علينا بما تبذلون وتضحّون في سبيل الوطن، لا سيما وان جيلنا وكل جيل سابق بذل وضحّى ولم يخطر له ان يجعل من بذله وتضحيته منّة على احد. اما المطلوب منا نحوكم فهو الكثير. واهمه ان نظفر بثقكتم قبل اشخاصكم لتكونوا وقوداً للمعركة. ان المعركة نفسها لا يمكن ربحها الا اذا توفر مجال الثقة المتبادلة، فلا تكون بيننا وبينكم اية هوة او ازمة او سوء تفاهم...
واعترف بان هذا مطلوب منا في الدرجة الأولى لأننا ابناء تجربة وحملة مسؤولية. ولكن المطلوب منكم ايضاً ان تلتقوا معنا في منتصف الطريق، فلا تكونون نظريين اكثر من اللزوم، ولا نكون نحن واقعيين اكثر من اللزوم.
والحديث في هذا طويل. فلنستأنف الحوار في الفصل المقبل قبل العودة الى طابع الجعبة الذي افتقده القرّاء على ما اعتقد.

12/12/68
عدد اليوم