الأرشيف في
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه
حالة الطقس 
 Beirut, Lebanon
Thur Fri Sat Sun
Clear Clear Clear Clear
26°C 24°C 23°C 22°C
18°C 17°C 16°C 14°C
سعد الحريري ...حين يذرف الدمع
من القلب وليس من العين
كتبت الهام سعيد فريحه :

... ومَن قال إن العين هي التي تذرف الدمع؟ إنه القلب الذي يذرفها حارقة لأنها تكون صادقة لا تعرف التلون ولا التصنُّع...
هي الدمعة التي خرجت من قلب الرئيس سعد الحريري حين كان يخاطب جيران قريطم ، لا بل اهل قريطم ، فاستعاد معهم ايام العز مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري حين كان قصرقريطم مركز القرار لبيروت لا بل للبنان ، هذا القصر الذي خرج منه الرئيس رفيق الحريري زعيمًا وعاد شهيدًا...

أمس 18 نيسان، طوى الرئيس سعد الحريري اعوامه الثمانية والاربعين اطال الله بعمره، وكأنه شاء ان يحتفل بعيد ميلاده حيث كان ميلاد ثورة الأرز حين حمل المشعل بعدما سقط هذا المشعل في الحفرة التي فتحها الإرهابيون المجرمون في ذلك الإنفجار الهائل الذي هزَّ لبنان في الرابع عشر من شباط 2005.
آنذاك كان عمر حامل الشعلة 35 عامًا إلا بضعة أشهر، ادرك ثِقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، ادرك ان قدره أن يملأ الفراغ الذي تركه والده الشهيد، ويا لهول هذا الفراغ!؟ رفيق الحريري حمل وتحمَّل ما لم تحمله الجبال: بدأت الرسائل الدموية تصله وكانت البداية مع محاولة اغتيال النائب والوزير مروان حماده، لكنه استمر ...





يا لسخرية القدر ! الزعيم الشاب استرجع هذا الشريط في قريطم امس، منذ لحظة اغتيال والده الشهيد وصولا الى استشهاد باسل فليحان الذي أكلته النيران لكنه بقي ينبض إلى ان توفي في يوم ميلاد الرئيس سعد الحريري بعد 64 يومًا على الإنفجار الإرهابي في السان جورج.

الزعيم الشاب استرجع هذا الشريط فخرجت الدمعة من القلب وغصت بها الحنجرة فلم يقوَ على الكلام لمخاطبة أهله وعائلته الكبرى في محيط قريطم الذين ذرفوا الدموع من العيون والقلوب، لكنه تمالك نفسه وعاد وخاطبهم، ولأن الظرف ظرف انتخابات فقد عاهدهم ان الانتخابات النيابية المقبلة مصيرية بالنسبة لبيروت، لأن هناك من يحاول ان يلغي فيها تيّار المستقبل وقصر قريطم وبيت الوسط، وليتابع: هوية بيروت عربية وهويتها السلام والاعتدال والحوار والعلم والثقافة، نحن نريد ان نحافظ على شوارعها وطرقاتها واحبائها وناسها وتاريخها، فيما هناك من يريد محو هذا التاريخ وتغيير الأسماء.

لم يقتصر الموقف عند هذا السقف بل ذكَّر بموقف النأي بالنفس الذي يمثل سياسة الحكومة اللبنانية، يقول في هذا السياق هناك من يلجأ للالتفاف على قواعد النأي بالنفس ويستخدم المنابر الانتخابية والإعلامية وسيلة للتهجم على الأشقاء العرب، الأمر الذي نصنفه في خانة الإساءة المباشرة لمصالح لبنان وابنائه الفاعلين الذين يكدون ويتعبون، وتجاوز حدود الإجماع الوطني في المحافظة على علاقات لبنان مع الدول العربية.
ووجه الرئيس الحريري نداء الى البيروتيين دعاهم فيه إلى التضامن لحماية هوية بيروت وقرارها السياسي والوطني من خلال دعوة أهلها لرفع نسبة الاقتراع إلى الحد الأقصى وقطع الطريق امام كل محاولة لوضع اليد على العاصمة وممثليها.

سعد الحريري دخل اليوم عامه التاسع والأربعين حماه الله، ليدخل في السابع من أيار المقبل الندوة البرلمانية للمرة الثالثة رئيسًا لكتلة نيابية من أكبر الكتل في مجلس النواب، وليدخل مجددًا الى السرايا الحكومية على رأس حكومته الثالثة.

إنه لمستحق، فهو المحافِظ على روح بيروت وعلى أمانة الوطن وعلى أمل الشعب.


 
 
مرة
200722
قرأ هذا المقال
 
 
elham.freiha@dar-assayad.com   
www.elhamfreiha.com   
facebook.com/elhamfreiha  
twitter.com/elhamfreiha   
 
 
 
أنقر لقراءة مقدّمة كتاب إلهام فريحة ... أيّام على غيابه   
كتب سعيد فريحه

وَرَاءَ الجِدَار

هل لك ابنة؟
وهل تريد ان تضمن لها الجنة بعد عمر طويل؟
ان الأمر في منتهى البساطة... جرب ان ترسلها الى المدرسة التي ارسلت اليها ابنتي في لندن، فتعيش هناك، وراء الجدار العالي بالأنظمة والتقاليد، حياة صعبة تمهد لها الطريق الى الجنة، او الى مستشفى الأمراض العصبية!
هذه هي المقدمة، واليك التفاصيل:
على مسافة ساعة في السيارة من لندن، وفي ضاحية جميلة هادئة تغطي أرضها الخضراء بواسق الأشجار وحدائق الورود، تقوم مدرسة كانت في الماضي قصراً فخماً يملكه ثري بريطاني ساءت حالته المادية على ما يظهر، فحوله الى مدرسة داخلية خاصة تتسع لخمس وستين فتاة فقط...





وحوّل المدرسة الى دير او ما يشبه الدير...
وبعد وفاته صارت المدرسة او الدير في عهدة ارملته القديرة التي تبدو اليوم، بمظاهر عافيتها ونشاطها، كأنها من مواليد العصر الحاضر!
وقد استطاعت الأرملة القديرة ان تحافظ على أنظمة المدرسة وتقاليدها بالشدة نفسها التي تحافظ بها على الحدائق الغنّاء المحيطة بها، فتمنع الفتيات الطالبات دخولها والتجول فيها، وكل من تخالف الأوامر والنظام تتعرض لغرامة نقدية!
نعم، غرامة نقدية... وهي أغرب ما يطبق في المدرسة التي تشبه الدير او الدير الذي يشبه المدرسة...
على كل فتاة ان تضع في صندوق الادارة مبلغ خمسين جنيهاً كل ثلاثة أشهر لنفقاتها الخاصة.
وكثيراً ما يتبخر هذا المبلغ في شهر او في اسبوع واحد... فتطلب الفتيات من ذويهن ارسال غيره وغيره وتقوم عليهن القيامة لأنهن مبذّرات...
ثم يتضح ان المبلغ او المبالغ الاضافية تدفع غرامات للمدرسة...
وكيف؟
ان هناك ألف سبب او حيلة او أسلوب لفرض غرامة على الفتيات... في كل غرفة من غرف النوم في المدرسة مثلاً نظام صارم مؤلف من عشرات البنود او الممنوعات التي يجب ان تحترم من قبل الفتيات احتراماً تاماً، والا فلا بد من دفع غرامة تتراوح بين جنيه وخمسة جنيهات...
اغلاق زجاج النافذة في أثناء النوم، مهما يكن البرد شديداً، ممنوع!
اشعال النور بعد الساعة العاشرة ليلاً ممنوع.
الجلوس في السرير او على حافته ممنوع.
الحكي ممنوع.
عدم النوم حالاً، بعد العاشرة تماماً، ممنوع.
تغطية الرأس باللحاف ممنوعة، كذلك الحركة والترشقة والكزكزة على الأسنان... وحتى الأحلام البريئة ممنوعة!
هذا في الليل، اما في الصباح... فان النوم بعد الساعة السابعة تماماً ممنوع. وعلى الفتاة ان تكون جاهزة للإفطار في عشرين دقيقة فقط.
وخلال هذه العشرين دقيقة يجب ان تصحو الفتاة وتغسل وجهها وترتدي ملابسها وترتب خزانتها وسريرها وغرفتها ترتيباً دقيقاً كاملاً، فلا تنسى ان تطوي طرف اللحاف طيتين، احداهما لجهة السرير والثانية لجهة الوسادة، على ان تكون طية أعرض من طية بكذا سنتيمتر وطرف اللحاف أقصر من طرف الحرام بكذا شبر، والسرير بأغطيته ووسادته أعلى من مستوى أرض الغرفة بثلاثة أرباع المتر...
وننتقل من غرفة النوم الى غرفة الطعام، فندع الفطور لنحدثك عن الغداء...
على الفتاة ان تجلس وراء المائدة كتمثال نفرتيتي: ظهرها مستقيم ورأسها مرتفع ويداها مسبلتان بعيدتان عن طرف المائدة.
وبعد القاء نظرة فاحصة على الخمسة والستين تمثالاً والاطمئنان الى ان الوضع مكتمل ومتشابه وخاضع لتقاليد المدرسة... تعطى الاشارة بابتداء الأكل والسماح بالحركة.
وتمتد الأيدي الى الشوك والسكاكين لتمسك بها، برؤوس الأنامل مسكة واحدة، وتستعملها بطريقة واحدة، وتحركها فوق الأطباق وفي اتجاه الرؤوس المرتفعة والأفواه الجائعة، حركة واحدة منتظمة كأن الطالبات تماثيل حقاً وكأن في داخل كل تمثال بطارية كهربائية تحرك يديه وفكيه ورموش عينيه!
ويستمر الغداء مدة ساعة ونصف الساعة لا يجوز ان تنقص ولا يجوز ان تزيد، كما انه لا يجوز ان تختلف الحركة في بداية الغداء عنها في نهايته.
والطريقة التقليدية المتبعة في أكل الفاكهة تحتاج الى بال طويل ودقة متناهية وأناقة مثالية فضلاً عن سبع ارواح بدلاً من روح واحدة.
حبة العنب تؤكل بالشوكة والسكين بعد تقشيرها وقطعها الى نصفين وانتزاع البزر منها.
الموزة تتحول في الطبق الى خروف ذبيح يقطع رأسه او رأساه... ويسلخ جلده ويفرم قطعاً متساوية الحجم تؤكل على عشر دفعات.
ويجب ان تكون أسنان الشوكة وهي تحمل قطعة او برشامة الموز الى الفم مستقيمة... بعكس الملعقة التي ينبغي ان تكون بالعرض.
واذا كان لا بد من الكلام في أثناء الطعام فيجب ان يكون همساً... اما الضحك فممنوع وغرامته خمسة جنيهات.
ولكي تتقي الفتيات دفع الغرامة يلزمن الصمت ويتسلحن بالعبوس والوقار، ومنهن من تضطر الى التفكير في بعدها عن اهلها او في الموتى من أقاربها او في الغرامات السابقة التي دفعتها حتى لا تضحك، ولا تضطر الى دفع غرامة جديدة.
ولكن ليس من السهولة ان تنجو من الضحك والدفع مهما حاولت... وخصوصاً عندما يزور المدرسة النجل البكر للرئيسة الجليلة ليكون ضيف الشرف على مائدة الغداء او العشاء.
هنا، تنفجر الفتيات بالضحك على الرغم من ارادتهن لأن مشهد النجل العزيز وهو يقوم او يقعد او يتكلم او يتدلع على ماما... يثير الضحك باستمرار.
انه يبدو بحركاته وسكناته وطريقته في التعبير عن آرائه وآراء الآخرين كأنه يمثل عشرة أدوار مختلفة في وقت واحد، فهو تارة طفل وتارة شيخ، وثالثة انثى، ورابعة ذكر، وخامسة ابكم، وسادسة محطة اذاعة... ودائماً يترقوَص ويتخلوَع ويثير ضحك الطالبات فتدمع عيونهن من شدة الضحك ومن وطأة الغرامة!
وهذا النجل العزيز كاد يخرب بيتي وبيت المواطن الصديق ابرهيم سعد لكثرة ما اضحك ابنتينا في المدرسة وحملهما من غرامات.
وبدورهما ابنتانا، جمانة سعد والهام فريحه، كادتا تخربان بيوت سائر الطالبات باثارة ضحكهن على النجل العزيز!
ومن الممنوعات التي تخضع لنظام الغرامة في المدرسة:
استعمال التليفون اكثر من مرة واحدة في اليوم، ويكون ذلك في المساء ولمدة 75 دقيقة فقط، اي بمعدل دقيقة واحدة وثانية واحدة لكل طالبة. وتقطع المكالمة اذا تجاوزت هذه المدة حتى ولو كانت بين الطالبة وذويها في أرض بعيدة.
هذا مع العلم ان المكالمة على حساب الطالبة.
وممنوع أيضاً:
الاحتفاظ بأيَّة حبة شوكولاته او قطعة بسكويت في غرفة النوم.
التخلف عن مواعيد الدروس او الطعام او النوم دقيقة واحدة.
الاستغناء عن الشورت في أثناء الرياضة في ساحة المدرسة حتى ولو كانت درجة الحرارة 20 تحت الصفر.
استعمال الراديو الا في الوقت المحدد له في المساء.
التكلم بغير اللغة الانكليزية في الفصل.
استلام الرسائل من الأهل وقراءتها والرد عليها الا ضمن مدة محددة.
مغادرة المدرسة في اجازة اكثر من مرة واحدة في الشهر مع الأهل. وممنوع ذلك منعاً باتاً، وتحت طائلة الغرامة:
ان تمشي الفتاة الا وهي منتصبة القامة مرفوعة الرأس كحرف الألف.
ان تتكلم مع اي انسان.
ان ترد على اية تحية.
ان تدخل دار الأوبرا الملكية بلندن الا بفستان السهرة الذي تحمله في الحقيبة.
ان تستدعي الطبيب اذا مرضت الا اذا ارتفعت حرارتها وتعذر شفاؤها بواسطة الاسبرو واللجوء الى الفراش.
وممنوع أخيراً، وتحت طائلة الغرامة ثم الطرد من المدرسة: التدخين.
وهذا، ولا ريب، من اكثر الممنوعات ضرورة ونفعاً للفتيات.
والنفع لا يقتصر على عدم التدخين، بل يشمل اشياء عديدة في المدرسة على الرغم من صعوبة الحياة وقسوة الأنظمة.
انها على العموم من أرقى معاهد العلم في بلاد الانكليز وأكثرها شهرة في ميادين التعليم والتثقيف وبناء الشخصية.
وتقصدها الطالبات من مختلف بلدان العالم فتنشأ بينهن صداقات متينة كثيراً ما تمتد الى الأهل والى الشعوب التي تنتمي اليها الطالبات.
وقد شعرت، بعد الصداقات التي انشأتها ابنتي الهام في المدرسة، اني أب لعدة فتيات لا لفتاة واحدة.
واحدى هذه الفتيات الصديقات من البرازيل واسمها ماري استيلا كريمة الدكتور رودريكز، من أشهر أطباء سان باولو، وقد قبلت دعوَتنا ومكثت معنا أسابيع الاجازة المدرسية في لبنان وشعرت كأنها في بيتها وبين اهلها في البرازيل.
وهكذا ستشعر الهام عندما ترد لها الزيارة بعد شهرين.
وعندما تتبادل الزيارات او الرسائل مع غيرها من صديقات الدراسة وبينهن الفرنسية والسويسرية والبرتغالية. انها اجمل الصداقات وأغناها بالمودة والفائدة والذكريات.
ولولا الجدار العالي بالأنظمة والتقاليد، بل لولا العقد النفسية التي خلفتها السنون في رئيسة المدرسة وجعلتها تزداد شدة وصرامة في معاملة الفتيات الطالبات... لنصحت كل أب بإرسال ابنته الى تلك المدرسة تمهيداً لارسالها الى الجنة بعد عمر طويل!



عدد اليوم